تاريخ سيناء الحديث
نابليون في العريش
دكتور / صبري العدل
كانت
الحملة الفرنسية علي مصر عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت حداً فاصلاً في
تاريخ مصر الحديث ، لكن من المؤكد أن تلك الحملة تركت أثرها الواضح علي
وضع مصر في بؤر
الاهتمام الأوربية ، كما كان لها آثارها علي المجتمع المصري .
وما
يهمنا هو وضع سيناء خلال السنوات القلائل التي قضتها تلك الحملة في مصر،
ومدي التأثير الذي تركته تلك الحملة عليها . كانت بداية الاتصال بين
الحملة
وسيناء في إطار الأطماع التوسعية لنابليون عقب دخوله مصر ، فقد كان يطمح
في فتح الشام ،
ومن
ثم كان لابد من استطلاع مناطق الحدود مع الشام ، فأرسل الجنرال لاجرانج
Lagrange
في 23 ديسمبر 1798 لاستطلاع ساحل سيناء الواقع علي البحر المتوسط ، كما
أمره بإنشاء نقطة حصينة في قطية بالقرب من الحدود الشامية ، لكن علي ما
يبدو أن لوجرانج تعرض لغارات من قبل العربان في سيناء ، لكن رغم هذه
الغارات
والمطر الشديد الذي واجهه هذا الجنرال فقد أتم ما أمره به قائده علي أكمل
وجه ،
وأبلغ بونابرت في 17 يناير 1799 أنه تم بناء النقطة الحصينة في قطية ،
فجعلها نابليون محطة عسكرية
ونقطة تجمع
واستراحة لقواته .
وخلال الاستعدادات الفرنسية للحملة علي سوريا بحثوا عن الجمال اللازمة
لحمل المؤن والذخائر ، واستطاعوا الحصول علي عدد كبير من جمال قبيلة
الترابين التي تعيش في سيناء ، كما قاموا بجمع عدد كبير من الحمير
والبغال من القاهرة والمناطق المحيطة بها .
وعلي
الجانب الآخر كانت التقارير تصل إلي بونابرت ، حول تحركات جيوش المماليك
الذين فروا إلي الشام
والعثمانيين ،
وتجمعهم بشكل متزايد في العريش ، داخل الحدود المصرية ، حيث كان أحمد
باشا الجزار يستعد للهجوم علي القوات الفرنسية في مصر
.
ووصل
عدد كبير من فرقة الجنرال رينيه
Reynier
إلي قطية في الأيام الأولي من شهر فبراير 1799 ، ثم غادرها في 11 فبراير
متوجهاً إلي العريش بهدف الاستيلاء عليها بناء علي أوامر من بونابرت ،
كما وصل كليبر بفرقته في اليوم نفسه حيث تولي قيادة القوات الفرنسية
المتجهة إلي العريش ،
وبعد يومين ونصف وصلت تلك القوات إلي المساعيد التي تبعد عن العريش
بمسافة خمسة أميال ونصف الميل .
واستولت الدهشة علي رينيه عند وصوله أمام العريش بعد زحف شاق في 8 فبراير
1799، لأنه لم يجد معسكراً كبيراً للعدو فحسب ، بل وجد حصناً منيعاً
(قلعة العريش) ، وكان هذا المعسكر يتألف من 600 فارس من العرب
والترك
والمماليك، ونحو 1200 من المشاة الألبانيين الذين أرسلهم الجزار ، أما
الحصن (القلعة) فيقع شمال غرب العريش ، فهو بناء حجري مربعاً يقوم علي
أبراج مثمنة أسواره ترتفع 30 قدماً ، كما كانت الممرات داخل المدينة
محاطة بالبيوت الصغيرة، التي زادت من صعوبات رينيه .
وكانت بيوت العريش مبنية بالطوب النيئ ذات أسوار عالية ، وشوارعها عريضة
ومستقيمة ، لكن في الحي القديم للمدينة كانت المسافات بين البيوت صغيرة
والشوارع ضيقة ، وهذا الوضع شكل عقبة كؤود أمام القوات الفرنسية ، وأي
قوة تحاول الاستيلاء علي العريش عن طريق المغامرة في الدخول إلي داخل
المدينة بشوارعها الضيقة ، فإنها ستتكبد خسائر فادحة ،
وحينما وصل بونابرت إلي العريش في 17 يناير 1799 وجد المدينة لم تسقط بعد
في أيدي قواته ، فلم يحسب نابليون حساباً للمسافة الصحراوية الطويلة التي
سيقطعها في صحراء سيناء ، حتي أن عدداً من جنود كليبر " أقدموا علي
الانتحار" بسبب ما لاقوه من طول المسافة ووعورتها حتي العريش
.
وكان
أول عمل قام به رينيه هو الاستيلاء علي العريش التي دافع عنها أهلها، لكن
مصيرهم كان حد السيف أو السنكي ، ثم وصلت قوات كليبر إلي العريش في 14
يناير 1799 فانضمت قواته إلي قوات رينيه ،
وعانت
قوات رينيه من الجوع لأن العريش لم يكن لديها من الأقوات مايمكن أن تقدمه
للفرنسيين ، فهي لم تتعد في ذلك الوقت كونها بلدة صغيرة تقع بين
البحروالصحراء ، لكن رغم هذا حاصر رينيه
وكليبر الحصن
وكان
الأمل ضعيفاً في تسليمه قبل أن يصل المدد من الجنود
والمدفعية ،
وفي
ليلة 14 ـ 15 فبراير 1799 ، قاد رينيه أربع كتائب في هجوم مباغت علي
المعسكر العثماني الذي كان تعداد قواته حوالي 1800 جندي ، وتمكن من
مباغتة الجنود العثمانيين النيام فقتلوهم بالسلاح الأبيض ، وكانوا يقتلون
كل من يجدونه حتي وصل عدد القتلي ما بين 400 ـ 500 من المماليك
وعدد
من الكشاف ،
وأسر
حوالي 900 رجل ، بينما لم يفقد الفرنسيون سوي ثلاثة رجال
.
وفي
18 فبراير 1799 وافق قائد الحصن إبراهيم نظام بك علي تسليمه شريطة أن
يسمح له
وللحامية بمغادرة الحصن بسلاحهم ، لكن رفض بونابرت هذا الشرط
واقترح
عليه تسليم الحصن أولاً بعدها سيعطيهم سلاحهم
ومتاعهم معززين مكرمين ، بل
وينقلهم إلي مصر حيث يمكنهم ركوب البحر لأي بلد شاءوا ، لكن القائد
العثماني رفض هذا العرض لأنه يعلم تمام العلم أن مصر محاصرة ،
ولما
يأس نابليون من طول المفاوضات ،
والحصار الذي طال أمده ، قرر ضرب المدافع بشكل متواصل
وبكثافة علي الحصن ، فأحدثت ثغرة صغيرة في الأسوار ، ثم تسلل بعض الجنود
الفرنسيين إلي أحد أبراج الحصن لكن بلغت خسائر الفرنسيين في ذلك اليوم
حوالي 21 من رجال المدفعية و17 من رجال البنادق ، و350 من المشاة لكن في
اليوم التالي اضطرت القوات المحاصرة إلي التسليم ، بعد خروجهم حملوا
الكثير منهم علي الانضمام إلي الجيش الفرنسي ، ووجد الفرنسيون في الحصن
من المؤن ما يسد جوعهم .
وجاءت الأنباء إلي القاهرة تفيد باستيلاء الفرنسيين علي قلعة العريش ،
و"طاف رجل من أتباع الشرطة ، ينادي في الأسواق أن الفرنساوية ملكوا قلعة
العريش
وأسروا عدة من المماليك ، وفي غدا يعملون شنكاً
ويضربون مدافع ، فإذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا " .
وغادر جيش نابليون العريش في 12 فبراير ووصل الشيخ زويد بعد مسيرة يومين
، حيث قادهم دليلهم من العربان إلي طريق أبعد إلي الجنوب من الطريق
الشمالي المعتاد ،
وربما كان ذلك عن عمد بهدف توريطهم في الرمال ، حيث كانوا غير مستريحين
للسير علي الكثبان الرملية، ولم يلاقوا بأية مقاومة من الجيش العثماني
طوال هذه المسافة ، حتي وصلوا إلي عكا
وهناك توقفت جيوش نابليون لتضرب حصاراً علي المدينة ،
وتفشل في اقتحامها نتيجة لمناعة الأسوار من ناحية،
والامدادات التي يتلقاها الجزار من الأسطول البريطاني في البحر المتوسط .
وعاد
نابليون
وجنوده ثانية بعد فشل حصار عكا إلي العريش في 2 يونيو ، وفشل مشروعه
التوسعي ، الذي كان يهدف من وراءه علي حد تعبير جارفس
Jarvis
إلي
إسقاط القسطنطينية .
ولم
تكن خسارته في يافا
وعكا
كبيرة ، لكن تحطمت معنويات جنده بسبب موت الكثير منهم بسبب الطاعون ، وفي
3 يونيو 1799 غادر نابليون العريش إلي القاهرة تاركا حامية لقلعة العريش
قوامها 500 جندي .
واستعدت القوات العثمانية للزحف براً علي مصر بعد فشل حملتها علي أبي قير
، ولما كان موقف الحملة في مصر قد بدأ يتأزم نتيجة عدم وجود حماية بحرية
بعد تحطيم أسطولهم في معركة أبي قير البحرية ،
ونتيجة للثورات الشعبية المصرية التي باتت تواجهها الحملة بين الفينة
والأخري ، مما اضطر كليبر إلي عقد مفاوضات مع سيدني سميث
Sidny
Smith
للتوصل إلي طريقة ما تضمن له
ولقواته الرجوع إلي فرنسا بسلام ، فتم توقيع معاهدة العريش الأولي في 3
ديسمبر 1799.
ولم
تدم هذه المعاهدة طويلاً ، حيث خرق العثمانيون هذه المعاهدة باجتياحهم
للعريش في30 ديسمبر من العام نفسه .
وبعد
مفاوضات بين الجانبين الفرنسي
والعثماني
تم التوقيع علي معاهدة العريش في 24 يناير 1800 وقعها عن الجانب العثماني
مصطفي رشيد أفندي الدفتردار،
ومصطفي راسخ أفندي رئيس الكتاب نيابة عن الصدر الأعظم ، وعن القائد العام
للجيش الفرنسي كل من الجنرال ديزيه
Desaix
والمسيو
بوسليجPoussielgue
،
ولم
يوقع عليها أحد من الحكومة الإنجليزية .
وبذلك انتهت أحداث
الحملة الفرنسية علي مصر وكانت سيناء خلالها مسرحاً لأحداث ذلك الصراع
الفرنسي العثماني في مصر . حيث تعرضت العريش للتدمير بمدافع القوات
الفرنسية ، كما قتل الكثير من أهلها نتيجة استبسالهم في الدفاع عن أرضهم
، فكانوا بهذا الاستبسال مثار إعجاب القوات الفرنسية نفسها .
قبائل السواركة والترابين تحاولان إعاقة مشروع محمد علي التوسعي
بدأت
مصر مع بداية القرن التاسع عشر أحداثاً جديدة مع تولي محمد علي حكم مصر
عام 1805 ،
وكان أهمها إنشائه لمحافظة العريش عام 1810 ضمن التشكيلات الإدارية التي
وضعها في هذا العام ،
والتي كانت تمثل أول شكل إداري منظم في سيناء في العصر الحديث ، ولها
اختصاصات وحدود إدارية ، ووضع تحت تصرف محافظ العريش قوة عسكرية لحماية
حدود مصر الشرقية ، وقوة نظامية لحماية الأمن داخل المدينة. كما أنشأت
نقطة جمركية ونقطة للحجر الصحي ( كورنتينة ) بالعريش . أما الطور فقد
كانت تابعة إدارياً لمحافظة السويس، بينما أدخلت نخل ضمن إدارة القلاع
الحجازية التي كانت تتبع قلم الروزنامة بالمالية المصرية
.
وفي
عام 1831 سير محمد علي جيشاً برياً وآخر بحرياً بقيادة ابنه الأكبر
إبراهيم باشا إلي الشام ، وقد تألف هذا الجيش من 24 ألفاً من المشاة و 80
مدفعاً ، وكان من بين هذا الجيش عدد من بدو سيناء والشرقية الذين انضموا
إلي هذه الحملة بلغ عددهم حوالي ألف وأربعمائة رجل .
واتخذ الجيش البري طريق العريش ، وقام إبراهيم باشا بالعديد من الإصلاحات
في سيناء بهدف خدمة قواته ، فرمم بئر قطية وبئر العبد وبئر الشيخ زويد ،
كما حركة البريد إلي غزة ، وجعل له محطات في بلبيس وقطية وبير العبد وبير
المزار والعريش والشيخ زويد وخان يونس وغزة ، كما وضع حراسة علي آبار
المياه علي طول طريق العريش . وعلي هذا لم يبد أهل سيناء أية ردود فعل
سلبية إزاء حملة محمد علي في البداية بل رأيناهم علي العكس من ذلك شاركوا
فيها .
لكن
عند رجوع إبراهيم باشا من حملته علي الشام عام 1831 ثار عليه عربان
السواركة والترابين فخربوا محطات البريد في الشيخ زويد وبير المزار ،
فاضطر إبراهيم إلي قتالهم ، ووقعت معركة بين قواته وقوات الترابين
والسواركة في عند وادي غزة ، فانهزمت قوات العربان وفروا إلي بئر السبع.
وربما تكون الأسباب الحقيقية لتمرد هؤلاء العربان في سياسة محمد علي
ذاتها ، حيث كان يريد إخضاع هؤلاء القبائل لسلطته ، حتي يوطد الأمن علي
الطريق المؤدي إلي الشام ، خاصة وأنهم كانوا دائمي السلب والنهب للقوافل
والتجار الذين يرتادون هذا الطريق .
وفي
عام 1834 جهز محمد علي قوة من عربان أولاد علي بقيادة أحمد المقرحي شيخ
القبيلة ، والشيخ هنداوي شيخ قبيلة الجميعات لوضع حد لعصيان عربان غزة ،
فألحقت هذه القوات هزيمة ساحقة بعربان شمال سيناء وغزة ، ونهبت بيوتهم
وماشيتهم، وقد منح محمد علي كل فرد من القبائل التي شاركت في الحملة 500
قرش مكافأة له علي هذا النصر الحاسم علي عربان غزة .
وعلي
أية حال ، فإن التفسير المنطقي للتغير في موقف بدو سيناء من حملة محمد
علي يرجع في الأساس إلي الأسلوب الذي تعامل به محمد علي مع هؤلاء البدو
الذين كانوا ينتظرون منه المكافأة ، إلا أنه تعامل معهم بمنتهي الشدة
والحزم ، في محاولته للمحافظة علي أمن الطريق البري بين مصر والشام والذي
كان بمثابة الشريان الحيوي لقواته الموجودة في الشام خاصة مع عدم أمان
الطريق البحري .
الدعاية للثورة العرابية في سيناء
لاشك
أن للعنصر الدعائي أهمية كبيرة في تعبئة
وتهيئة الرأي العام لمساندة فكرة معينة. لكن مسألة الدعاية تصبح أكثر
صعوبة إذا ما كان المجتمع المراد تهيئته
وتعبئته مجتمعاً بدوياً والأمية هي السمة الغالبة بين سكانه . لهذا كانت
مسألة الدعاية للثورة العرابية بين أهالي شبه جزيرة سيناء غاية في
الصعوبة، ومن ثم تفقد الصحافة كسلاح دعائي في إثارة الرأي العام
دورها
وقيمتها بين هؤلاء البدو .
ولهذا وقع علي كاهل العناصر المثقفة
والمتمثلة في موظفي الإدارات الحكومية في سيناء عبء الدعاية للثورة
وتهيئة الأهالي
لمساندة الثورة .
وليست لدينا معلومات حول تلك النشاطات الدعائية بين بدو سيناء خلال
المراحل الأولي من الثورة، لكن ما لدينا يشير إلي وجود تحرك دعائي واسع
بين البدو خلال المراحل الأخيرة من الثورة .
ولعب
السيد بك محمد محافظ العريش دوراً مهماً في الدعاية للثورة بين أهالي
منطقته، حيث عمل علي إذكاء الروح الوطنية لدي البدو، علي وجه الخصوص،
فيعترف بعض مشايخ القبائل المناهضة للثورة
وهم
مشايخ قبائل الخناصرة والدهيمات
والعرادات
والرميلات
بأن " المحافظ السلف
ولكونه من حزب عرابي، ودواما يحضر له جريدة الطائف، ويصير تلاوتها بين
الأهالي
والمستخدمين بقصد الهيجان
والحركات والإشاعة " . كما أن سلطان باشا عميل الإنجليز
والساعد الأيمن للخديو لا يفوته أن يقرر ذلك بقوله :" إن محافظ العريش هو
الذي يحث ويسلط هذه العربان علي هذه الأفعال ". حيث عهد الخديو إلي سلطان
باشا توزيع نسخ من جريدة " الجوائب " التركية التي نشرت إعلان السلطان
عصيان عرابي علي ضباط الجيش المصري لاطلاعهم عليها،
وتنقل سلطان باشا في البلاد لدعوة العمد
والأعيان إلي مساعدة الإنجليز .
وقد
استعان محافظ العريش بكل من أحمد شراب
وطلسن عبد الشافي لمساندته في عملية الدعاية للثورة بين أهالي المنطقة .
فأحمد شراب يرجع إلي أصول شامية فهومن غزة
وعمل في وظيفة " كاتب ثاني بمحافظة العريش " وكان يعرض علي المحافظ "
بأنه بإمكانه استحضار غالب العربان الأشقياء الموجودين بجهة غزة "،
وبخاصة " عربان الترابين بقصد الهيجان " ،
وذلك
كأسلوب تهديد للقبائل التي ترفض الوقوف في جانب الثورة . أما طلسن عبد
الشافي فقد كان يعمل بوظيفة " كاتب بمحكمة العريش "، لكن كان قد تم نقله
إلي وظيفة " صراف " بمحافظة العريش بمعرفة المحافظ،
وكان
يقوم بإعداد التقارير حول الحوادث التي تحدث في سيناء أو قريبا منها
ويرسلها إلي جريدة " الطائف " بقصد نشرها، حيث وجدت بحوزته أوراق معدة
للنشر بالجريدة المذكورة، " بقصد الهيجان والإشاعة "
وشارك كل من أحمد شراب
وطلسن عبد الشافي في كتابة الخطابات السرية
والمكاتبات التي يرسلها إلي أحمد عرابي . أما قاضي العريش المدعو " عبد
البر الرملي "، فقد لعب دوراً مهماً في التعبئة الدينية، لما له من تأثير
علي جموع الأهالي
والعربان،
حيث كان "يحث الأهالي علي وجوب تطوعهم
واشتراكهم إلي جانب الثورة " ، كما كان يشجعهم علي التطوع بقوله " كل من
مات بالمحاربة مات شهيداً ".
وكانت ثمرة الحملة الدعائية التي قام بها محافظ العريش
ومؤيدو الثورة من المثقفين بالعريش هي انضمام المتطوعين من الأهالي إلي
جانب جيش الثورة
وكلف محافظ العريش شخص يدعي محمود عبيد بتنظيم حركة التطوع إلي جانب جيش
الثورة حيث كان يقوم " بتفهيم الأهالي المحضرين من القنطرة والإسماعيلية
بأنهم عند دخولهم إلي العريش عليهم أن يخبروا المحافظ بأن العساكر
والعربان جاري توجههم أول بأول لجهة الجيش
وبعض
أشخاص بصفة متطوعين" .
كما
تطالعنا الوثائق باسم الشيخ يوسف شرابه من علماء الأزهر بالعريش
وتؤكد اشتراكه في الثورة،
وأنه
قد حكم عليه بالنفي خارج مصر لمدة ثلاث سنوات ، لكنها لا توضح الدور الذي
قام به هذا الشيخ، لكن من الواضح أنه ربما كان إماماً بمسجد العريش
وله
دور في حث الأهالي علي الانضمام للثورة بما له من مكانة دينية وسط
الأهالي .
وهكذا يتضح لنا أن الدعاية للثورة العرابية بين أهالي سيناء
والتي وقعت علي كاهل الموظفين الحكوميين من مختلف الدرجات الوظيفية قد
أخذت شكلاً منظماً إلي حدٍ كبير بهدف جمع الأهالي علي فكرة تأييد
ودعم
الثورة . لكن من الملاحظ أن حملة الدعاية للثورة بين أهالي سيناء قد تمت
خلال مراحل متأخرة من الثورة،
وبالتحديد
أثناء المعارك التي دارت بين الجيش المصري
والإنجليز،
ولم
نجد في المصادر المعاصرة ما يفيد بوجود أي شكل من أشكال الدعاية في
الفترة السابقة علي اندلاع المعارك بين الجيش المصري
والجيش
البريطاني.
بدو سيناء يؤيدون عرابي
من
خلال دراسة الوثائق الخاصة بالثورة العرابية، والوثائق المتعلقة بسيناء،
يمكننا القول بأن دور سيناء، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مصر، خلال
مراحل الثورة المختلفة كان دورا داعما
ومؤيدا لها،
وخاصة خلال مراحل اشتباك جيش الثورة مع القوات البريطانية، وقد اتخذ هذا
الدعم
والتأييد صورا
وأشكالا مختلفة منها الدعم المادي
والعسكري، بالإضافة إلي التأييد المعنوي للجيش أثناء المعارك ضد القوات
البريطانية.
ومن
أشهر قضايا دعم أهالي سيناء للثورة ما تطلق عليه الوثائق " قضية
البطيخ"، والتي تتلخص في قيام السيد بك محمد محافظ العريش في 18 أغسطس
1882 بجمع عشرة آلاف "بطيخة " (حيث يوجد بكثرة في سيناء ) من أهالي سيناء
وإرسالها إلي الجيش المصري في كفر الدوار .
وتشير إحدى البرقيات التي أرسلها السيد بك إلي عرابي إلي أنه طلب عدداً
من المراكب لحمل شحنة البطيخ من العريش إلي دمياط، ومن هناك ترسل إلي كفر
الدوار.
وقد
صاحب هذه الشحنة في طريقها إلي دمياط اثنين من رتبة الملازم،
وهما
محمد سلطان (ملازم أول )،
وعثمان عبد الغني الباشجاويش (ملازم ثاني)،
وقد
حصل هذان الملازمان علي رتبتيهما بموجب مكاتبات من عرابي
وذلك
كمكافأة لهما علي موقفهما المؤيد للثورة.
كما
قام العسكريون الموالون للثورة منهم " محمد سلطان
وعثمان عبد الغني "
وآخر
يدعي " مصطفي شريف " بحراسة شواطئ العريش بهدف مراقبتها، وكانوا يوهمون
العساكر القائمين علي الحراسة بضرورة تشديد الحراسة حتى " يكونوا في
استقبال الإنجليز "، لكنهم في الحقيقة أرادوا من ذلك أن يرقبوا وصول
المراكب الإنجليزية لصالح الثورة .
وكان
الجنرال ولزلي قد استغل اطمئنان عرابي من ناحية القناة
وحصر
مقاومته في كفر الدوار، فقام بمهاجمة الجيش عن طريق سواحل مصر الشرقية
القريبة من قناة السويس، وأمر الأسطول البريطاني بإجراء مناورة بحرية
لخداع القوات المصرية .
وكانت بعض القطع البحرية تصل إلي شواطئ العريش "
وعند
رفع الإشارات لها تختفي في الحال "،
ولهذا أرسل عرابي إلي محافظ العريش يؤكد له بأن هذه المراكب التي تصل
شواطئ العريش إنما هي " مراكب جواسيس من طرف العدو لمعرفة المواقع
البحرية "، وطلب عرابي من المحافظ من 20 يوليو 1882 تعيين حراسة على
سواحل البحر المتوسط " بمعرفة العساكر
والأهالي
وعمد
ومشايخ العربان ".
ومن
الملاحظ هنا أن التحرك المؤيد للثورة قامت به الفئة العسكرية التي هي جزء
من النسيج العسكري القائم بالثورة . لكن هناك إشارات في الوثائق تؤكد بأن
أهالي سيناء شاركوا في إمداد جيش الثورة بالجمال اللازمة لنقل المؤن
والذخيرة إلي ساحة المعارك، حيث تم العثور علي عدد من الجمال مع شخص
يدعي "علي حمدان من أهالي العريش " بعد انتهاء المعارك
والهزيمة،
وضبطت الجمال بمعرفة المحافظ الجديد للعريش لشكه في كونهم من الجمال التي
فرت من جيش الثورة وقت الهزيمة .
وقام
أهالي العريش بالضرب علي أيدي الجواسيس الذين يعملون لصالح الإنجليز سواء
كانوا من العربان أو الأجانب . فقام عثمان عبد الحافظ شيخ العريشية
والموالي للثورة بالتشكي من " يعقوب جويد
وأخوته
وبعض
الأشقياء الموجودين بقنطرة القناة "، حيث أنه من " أهالي غزة المقيمين
بالقنطرة
وقد
صار لهم حزب
واتحاد مع بعض الأشقياء
وجاري التشكي منهم من قبل العريشية والتجار المارين بالقنطرة "،
ونظراً
لكثرة الشكوى من هؤلاء الأشخاص
وخطورتهم علي الأمن العام، فقد رأي الأهالي ضرورة إبعادهم
ونفيهم إلي غزة موطنهم الأصلي " لأجل راحة الأهالي
والتجار، لأن الجميع متضرر منهم "،
فتم
القبض علي يعقوب جويد
وأخوته
وتعيين خفراء علي الطريق القنطرة – العريش .
ولم
يقتصر الأمر علي التخلص من الجواسيس من العربان، بل امتد إلي التخلص من
الجواسيس الأجانب، فنري محافظ العريش يمنع " مسيو بيانكي" ناظر كورنتينة
العريش من إرسال أية تقارير أو خطابات سرية إلي الإنجليز أو حكومة
الخديوي، لعلمه أنه يعمل لصالح الإنجليز،
ولهذا هدده بالموت
والطرد من الخدمة
والإكراه علي السفر
وترحيله إذا ما أرسل أية تقارير أو خطابات سرية إلي الإنجليز، كما قام
المحافظ بتعطيل نقطة الحجر الصحي
وترك
القوافل المتوجهة إلي الشام تمر دون إجراءات صحية خلال شهور يوليو وأغسطس
وسبتمبر من عام 1882.
ولم
يقتصر الأمر علي مشاركة الأهالي بل أننا نري دوراً بارزاً
ومهماً للعربان في الوقوف إلي جانب الثورة . فنراهم يتصدون
لمحاولات الإنجليز
وأعوانهم
من التجار
والعربان ضرب الثورة، وهذا ما حدث لأحد تجار الإسماعيلية المدعو " عطية
الجولاني " الذي كان "مقاولاً بالقومبانية الفرنساوي بالقنال بجهة
القنطرة "
وكان
متوجها إلي العربان المقيمين بين القنطرة
والعريش لشراء الجمال اللازمة لتسهيل عمله، وعند وصوله إلي منطقة " قاطية
"، أشيع هناك أنه يشتري جمالاً للإنجليز فتصدي له العربان
وأرادوا
الفتك به لولا أنه احتمي " بأسطي التلغراف " بقاطية، حيث توجه به إلي مقر
محافظة العريش بهدف الاحتماء بشوكة الحكومة هناك، إلا أن محافظ العريش
بمجرد علمه أنه كان يريد شراء جمال للإنجليز قام بتهديده
وتخويفه مدة أيام حتى أشيع " أنه كان المرغوب قتله ".
كما
راح العربان يهاجمون الإمدادات
والمؤن الخاصة بالجيش الإنجليزي، وسلبوا
ونهبوا ما كانت تحمله الإبل للقوات الإنجليزية ،
ويبدو ذلك جلياً من إفادة مأمور القنطرة التي قال فيها "أن عربان
السماعنة
والعقايلة هجمت علي جمال كانت محضرة للقنطرة علي ذمة الجيش الإنجليزي "
حيث أحس البدو بحاستهم الفطرية مدي خطورة الموقف في جبهة القتال
وما
يمكن أن تؤول إليه البلاد إذا ما مني الجيش المصري بالهزيمة، واحتلال عدو
أجنبي لهذه الأرض المقدسة .
وقام
عدد آخر من القبائل بمنع القوافل الواردة من الشام إلي مصر، وذلك خوفاً
من وصول أية إمدادات إلي الجيش الإنجليزي، كما قاموا بالهجوم علي العربان
الموالين للإنجليز المتوجهين بالبوسته إلي القنطرة .
ولما خشي الإنجليز
والخديو علي مصالحهما من تلك الهجمات التي يشنها العربان، قام كل منهما
بعمل مبادرة تهدف إلي كسب ودهم
واستعمال بعضهم بهدف تشكيل جبهة موالية له في شبه الجزيرة خصوصاً وأن
الصراع علي ضفة قناة السويس بين قوات الجيش المصري من ناحية
والقوات
البريطانية من ناحية أخري كان وشيكاً.
وقام
الخديوي توفيق بتعيين سلطان باشا رئيس مجلس النواب مندوباً خديوياً ومعه
بعض " الياوران الخديوي " لدي الجنرال ولزلي،
وكلفه بنشر إعلان السلطان العثماني عصيان عرابي بهدف إثارة البلبلة بين
العربان الموالين لعرابي
والثورة، كما طلب إليه دعوة الأهالي للطاعة
والانصياع لأوامره
وأوامر الإنجليز .
وراح
سلطان باشا يستخدم سلاح الإغراء بالمال لشراء جانب العربان وكسب ودهم
بالمنح
والهبات، لكن لم يستجب لسلطان باشا سوي بعض العشائر
والعائلات الضعيفة التي نجح في استمالتها، أو علي الأقل تحييدها .
وقد
حاول البعض استغلال ظروف الثورة العرابية
وهياج العربان لإثارة فتنة طائفية في منطقة الطور، كما يؤكد نعوم شقير، "
فأشاعوا أن عساكر المسلمين ( الجيش المصري ) قد ذبحوا الإنجليز،
وقام
المسلمون علي النصارى في مصر ( القاهرة ) وذبحوهم
وغنموا مالهم
وحضوا قبائل الطورة علي قتل نصاري الطور ( رهبان دير سانت كاترين ) "،
لكن الشيخ موسى بن نصير شيخ عربان الطورة فطن إلي ما يمكن أن يؤول إليه
عمل كهذا، فتصدي لمنع هذه الفتنة،
وساعده علي النجاح أن الأخبار قد جاءت إلي سيناء معلنة هزيمة الجيش
المصري، فكان ذلك تكذيبا للإشاعة .
كما
شارك عربان سيناء في المعارك التي خاضها العرابيون ضد القوات البريطانية
فقد قام عربان الترابين بقيادة شيخ العرب جمعة علام بالهجوم علي قوة
مكونة من أربعين رجلاً من الإنجليز
والهنود
وعربان الطور الذين تمكن الإنجليز من استمالتهم، بجهة عجرود بالقرب من
السويس فقتلوا منهم 15 جندياً .
ولا
شك أنه كان هناك صراع خفي بين تلك القبائل من أهالي سيناء من أنصار
الثورة
وبين
تلك البطون القليلة التي كانت تمثل عمد الخيانة، واستخدم كلا الطرفان ما
لديه من أسلحة معنوية، إلا أن سلاح التهديد من قبل الثوار " باستحضار
عربان غزة الأشقياء " كان أهم الأسلحة التي لجأ إليها أحمد شراب لتهديد
قبائل الرميلات
والدهيمات
والخناصرة (
وكلها فروع من قبيلة السواركة ) .
ولعبت الثورة العرابية دوراً مهماً في إذكاء نار الصراعات
والخلافات القديمة بين القبائل في سيناء . فالصراع التقليدي بين قبائل
الترابين وقبائل السواركة
فروعها الأخري ظهر بشكل واضح أثناء الثورة . فقام عربان المعازة
والعيايدة بالهجوم علي قبائل الترابين
وسرقة عدد من الجمال، ربما لبيعها للجيش الإنجليزي،
وبعد
انتهاء الثورة أرسل الخديو سرداره الخاص ليعين القومسيون الخاص في هذه
القضية
وتحقيقها بمقر مديرية الشرقية بحضور سالم فياض من عربان الترابين ومنصور
البغدادي عمدة عربان الطميلات،
وحسن
مقبل شيخ عربان السماعنة،
ومحمد بدران شيخ عربان أولاد موسي،
وسالم الرقيبي شيخ عربان السواركة .
ولا
شك أن انتصار القوات البريطانية علي جيش الثورة العرابية كان بفضل العدة
والعتاد الحديث الذي تمكنت من خلاله من الاستيلاء علي بعض مدن القناة،
بينما كان لأسلوب الغدر
والمكيدة الذي سلكه سلطان باشا
وقليل من العربان الفضل فيما انتهت إليه هذه المدن من سقوط في يد
الإنجليز،
ولكن
علي الرغم من ذلك فإن خطوط الدفاع الأمامية من البدو
وكانت حتى هذه الآونة تشكل عائقا أمام تقدم القوات المباشرة، وتسبب لهم
الكثير من خسائر الأرواح .
وتدل
مشاركة أهالي سيناء في الثورة علي مدي ارتباط سكان سيناء بمصر وبما يحدث
بها من أحداث سياسية، وأنهم لم يكونوا بمعزل عنها . كما تدل بشكل من
الأشكال علي تبلور الفكرة الوطنية لدي بعض الأهالي ممن وعوا خطورة
الاحتلال البريطاني لمصر .
ولا
شك أن هذه الهجمات التي كان يشنها العربان كانت مما تخشاه الحكومة
البريطانية حتى قبيل احتلالها لمصر، لأن هؤلاء العربان يقومون بهجمات
سريعة
وخاطفة مما كان يخشى معه علي أمن المرور بقناة السويس . لهذا كان في نية
بريطانيا تجنيد عدد من هؤلاء العربان أو علي الأقل كسب ودهم، لتشكيل جبهة
موالية لبريطانية في سيناء لهذا أرسلت بعثة بالمر إلي شبه جزيرة سيناء
لهذا الغرض .
|